القرطبي
24
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض ) هذه رؤية القلب ، أي ألم تر بقلبك وعقلك . وتقدم معنى السجود في " البقرة " ، ( 1 ) وسجود الجماد في " النحل " . ( 2 ) " والشمس " معطوفة على " من " . وكذا ( والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس ) . ثم قال : ( وكثير حق عليه العذاب ) وهذا مشكل من الاعراب ، كيف لم ينصب ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل ، مثل : " والظالمين أعد لهم عذابا أليما ( 3 ) " ؟ [ الانسان : 31 ] فزعم الكسائي والفراء أنه لو نصب لكان حسنا ، ولكن اختير الرفع لان المعنى وكثير أبى السجود ، فيكون ابتداء وخبرا ، وتم الكلام عند قوله : " وكثير من الناس " . ويجوز أن يكون معطوفا ، على أن يكون السجود التذلل والانقياد لتدبير الله عز وجل من ضعف وقوة وصحة وسقم وحسن وقبح ، وهذا يدخل فيه كل شئ . ويجوز أن ينتصب على تقدير : وأهان كثيرا حق عليه العذاب ، ونحوه . وقيل : تم الكلام عند قوله " والدواب " ثم ابتدأ فقال : " وكثير من الناس " في الجنة " وكثير حق عليه العذاب " . وكذا روي عن ابن عباس أنه قال : ( المعنى وكثير من الناس في الجنة وكثير حق عليه العذاب ، ذكره ابن الأنباري . وقال أبو العالية : ما في السماوات نجم ولا قمر ولا شمس إلا يقع ساجد الله حين يغيب ، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيرجع من مطلعه . قال القشيري : وورد هذا في خبر مسند في حق الشمس ، فهذا سجود حقيقي ، ومن ضرورته تركيب الحياة والعقل في هذا الساجد . قلت : الحديث المسند الذي أشار إليه خرجه مسلم ، وسيأتي في سورة " يس " عند قوله تعالى : " والشمس تجري لمستقر لها " ( 4 ) . [ يس : 38 ] . وقد تقدم في البقرة معنى السجود لغة ومعنى . قوله تعالى : ( ومن يهن الله فما له من مكرم ) أي من أهانه بالشقاء والكفر لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه . وقال ابن عباس : إن من تهاون بعبادة الله صار إلى النار . ( إن الله يفعل ما يشاء ) يريد أن مصيرهم إلى النار فلا اعتراض لاحد عليه . وحكى الأخفش والكسائي والفراء : " ومن يهن الله فما له من مكرم " أي إكرام .
--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 291 . ( 2 ) راجع ج 10 ص 112 . ( 3 ) راجع ج 19 ص 150 . ( 4 ) راجع ج 15 ص 26 فما بعد .